حيدر حب الله
254
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
المدينة ويكون استقرارك إلى الأبد ، بحيث تقول في نفسك وتستقرّ على ذلك نيّتُك بأنّني لن أخرج من التوطّن في بيروت ( والتي هي ليست مسقط رأسي ولا منزل أجدادي ) إلا إذا طرأ طارئ قهريّ يفرض عليّ ذلك ، وهذا الطارئ القهري لا يظهر الآن في حدود أفقي المستقبلي ، فبيروت هنا وطنٌ مستجدّ ، وقد أخذت وطنيّتها لا من وجود ملك فيها ، ولا من استقرارك فيها ستة أشهر ، فأنت لم تنزل فيها حتى الآن إلا لخمسة أشهر مثلًا ، بل لوجود قصد التوطّن الدوامي فيها بحيث لن يعرض عنها إلا بظرف قاهر ، مع قيد ذكره السيد الخوئي بعد ذلك ( ولم يقبل به بعض الفقهاء ) وهو تحقّق التوطن مدّةً قد تكون أقلّ من ستة أشهر وقد تزيد ، بحيث يصدق معها - إلى جانب نيّة التوطن الدوامي - أنّك صرت من أبناء بيروت ، بمعنى من سكّانها المستقرّين فيها على الدوام ، بحيث لن يتركوها . أمّا النص الثاني ، فهو الوطن الشرعي ، وفي هذا الوطن أنت لا تقوم بقصد التوطّن الدوامي والاستقرار في بيروت ، بل كلّ ما في الأمر أنّك اشتريت منزلًا هناك ، وسكنت فيه لمدّة ستة أشهر ، فهذا ليس وطناً عرفاً حيث لا وجود لقصد التوطّن ، لكنّه وطنٌ شرعاً تجري عليه أحكامه ما دام هذا المنزل الملكي موجوداً . فالنسبة في الحقيقة بين الوطن الشرعي والعرفي أنّ الوطن العرفي أخذ فيه نيّة الدوام أو قيّد بكونه مسقط رأسه وأسرته ، وهذا التقييد - أعني الدوام ( ويسمّيه بعضهم الوطن الدائم ) ، أو كونه مسقط رأسه وموطن أسرته ( ويسمّيه بعضهم الوطن الأصلي ) - غير موجود في الوطن الشرعي ، والموجود في الوطن الشرعي هو تقييد آخر غير موجود بدوره في الوطن العرفي ، وهو وجود مِلك مع فعليّة استقراره لمدّة ستة أشهر متواصلة ، وهذان القيدان لا يشترطان في الوطن العرفي